أخبار محلية

كورونا الفايروس الإشتراكي

منذ البداية كان هذا الفايروس إشتراكيا عابرًا للحدود والمجتمعات مخترقا للتجمعات عادلًا في استهداف كل الأجناس البشرية دون تمييز على أساس اللون أو العرق.
كان هاذ الفايروس من البداية واضحا في تقويض أسس المنظومة الليبرالية بصيغتها المتوحشة التي تجذرت منذ سقوط الاتحاد السوفيتي باعتبارها الطريقة المثلى للعيش عبر هذا الكوكب !!!!
بالأمس تعافت سيدة أميركية من ولاية نيويورك من الوباء بعد ثلاثة أسابيع من المعاناة في العناية المركزة لكن صدمتها كانت كبيرة عندما تلقت فاتورة من المستشفى تطالبها بسداد 34 ألف دولار هي تكلفة علاجها منذ تشخيصها بالمرض إلى شفائها ، في موطن الفكر الليبرالي وعرينه في الولايات المتحدة ليس سرًا أن الدولة استقالت منذ عقود عن تقديم أي خدمات صحية لمواطنيها ومن لايمتلك تأمينًا صحيًا لايجد حتى سيارة إسعاف تقله إلى المستشفى، في ظل ظروف حالكة كالتي نعيشها اليوم يحتمل أن يموت مواطنون من أقوى دولة في العالم بهذا الفايروس دون أن يجدو أبسط علاج لأنهم ببساطة لايمتلكون المال!!!
على الطرف الآخر من الأطلسي تذرف سيدة إسبانية الدمع سخيًا لأن زوجها الثمانيني يموت أمام عينيها لأنه لايجد سريرًا في المستشفى للعلاج وقد قضى حياته كلها يخدم بجد ويدفع كل ضرائبه للحكومة ولم يشفع له ذلك في إيجاد جهاز تنفس صناعي يبقيه على قيد الحياة في مواجهة الفايروس الذي فتك برأتيه!!!!
في كل دول القارة العجوز وبنسب متفاوتة نماذج صارخة على التردي الذي أوصلت إليه الليبرالية المتوحشة منظومة الخدمات الصحية في القارة التي طالما فاخرت بأنظمتها للرعاية الصحية المتميزة حول العالم!!!!
على العكس من هذه الصورة السوداوية في القارة الأوروبية تصل نماذج مشرقة من الشرق البعيد من الصين واليابان وكوريا الجنوبية وتايوان ، هناك وعلى العكس من التقاعس الرهيب للدولة هنا تطوعت الدولة منذ اللحظة الأولى لأخذ زمام المبادرة بإغلاق المدن وتشييد المستشفيات الميدانية
وتوفير أجهزة الكشف الطبي والعلاجات الضرورية ودخلت جيوشها المعركة منذ اللحظة الأولى وليس فقط في الصين التي ساعد نظامها الشمولي في التزام المواطنين بالتعليمات الصارمة للسلطات الصحية لكن في دول تعتبر نظريًا جزء من المعسكر الغربي كاليابان وكوريا الجنوبية تدخلت الدولة في الوقت المناسب
وأجبرت الشركات الخاصة على المساهمة في الحرب ضد الفايروس ووفرت سبل الوقاية والعلاج للملايين من مواطنيها دون مقابل!!!
بالأمس خرج وزير الصحة البريطاني مهللا لاتفاق بين الحكومة والمستشفيات الخاصة على توفير أسرة إضافية لمرضى الكورونا على أن تتحمل الحكومة تكاليف العلاج!!!
في إيطاليا رفضت معظم المستشفيات الخاصة المساهمة مجانًا في الحرب ضد كورونا وفي فرنسا تفكر حكومة ماكرون في تأميم المستشفيات الخاصة لمساعدتها في مواجهة سيل المرضى الذي لايتوقف!!!
حتى تطبيق معايير الحجر الصحي بصرامة تعطله روح الاستهتار لدى الأوروبيين المثقلين بعقود من الفكر الحر والاختيار الليبرالي وترسانة الحقوق الفردية التي تقف اليوم كسد منيع في مواجهة محاولات السلطات وقاية مواطنيها عبر الحجر الصحي الكامل !!!
في الصين احتاج الأمر عشر دقائق ليعزل 58 مليون مواطن في إقليم هوبي عن العالم الخارجي فكانت النتيجة مذهلة تطويق الفايروس في عقر داره في ظرف شهرين فقط !!!!
سيحاجج البعض بأن النموذج الصيني دكتاتوري ويسحق الحريات وهنا لامناص من السؤال أيهما أولى حرية مع المرض أم دكتاتورية في مجتمع أصحاء لن أثقل عليكم بالخيارات لكنني متأكد أن عالم مابعد كورونا لن يشبه عالم ماقبلها، فقد وجه هذا الفايروس المجهري للمعسكر الليبرالي ضربات في مقتل وسيذهب بعيدا في تعرية طريقة العيش المادية المتجردة من كل إنسانية وسأختم بمثال يبدو كأنه طرفة لكنه واقعي تماما حيث وصل اليوم إلى إقليم لومبارديا الذي يعد أغنى أقاليم إيطاليا فريق من عشرات الأطباء الكوبيين الذين أرسلتهم دولة شيوعية صغيرة وفقيرة تتعرض لحصار أميريكي منذ ستة عقود لمساعدة إيطاليا في مواجهة الكارثة التي يسببها كورونا!!!
ليس سرًا أن النظام الصحي الكوبي من أفضل الأنظمة الصحية في العالم والسر يكمن في أنه مملوك للدولة بالكامل وهي تعتبر الصحة ضرورة وليس مجرد خدمة!!!!!
لم ينسى الأطباء الكوبيون رفع صورة الراحل فيدل كاسترو في ميلانو وهو القائل “السلطة لاتكون جديرة بحكم شعب لاتشبعه إذا جاع ولاتداويه إذا مرض!!!

عبد الله ولد سيديا – اعلامي موريتاني مقيم ببريطانيا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق